محمد متولي الشعراوي

3184

تفسير الشعراوى

« إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً » والكل يرجع إلى اللّه سواء الملتزم أو المنحرف ، وأمام الحق نرى القول الفصل : « فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ » . وما دام هناك اختلاف فلا بد أن يوجد من أخذ جانب الخير ومن أخذ جانب الشر ، ولو أن اللّه قال لنا : « ستأخذون الخير » وسكت عن الشر لكان ذلك كافيا ، لكنه يعطينا الصورة الكاملة . ويتبع ذلك قول الحق : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 49 ] وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ ( 49 ) وقد يقول قائل : إن اللّه سبحانه وتعالى قال من قبل : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ( من الآية 48 سورة المائدة ) وتكون الإجابة : أن الحق بيّن إن القرآن قد نزل مهيمنا ، وعلى الرسول أن يباشر مهمة التنفيذ ؛ لذلك يأتي هنا قوله : « وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ » بلاغا للرسول وإيضاحا : أنا أنزلت إليك الكتاب مصدقا لما بين يديه من الكتب السابقة ومهيمنا فاحكم ، فإذا جاءك قوم بشئ مخالف لما نزل من القرآن ، فاحكم بينهم بالقرآن . والذي زاد في هذه الآية هو قوله الحق : « وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ » والحذر هو احتياط الإنسان واحترازه ممّن يريد أن يوقع به ضررا في أمر ذي نفع ، والذي يرغب الضر قد يزين لنفسه ولغيره الضر كأنه الخير ، على الرغم من أن ما في باطنه هو كل الشر . إذن فالحذر هو ضرورة الانتباه لمن يريد بالإنسان شرا حتى لا يدخل عليه ضرّا في صورة نفع ، كأن يأتي خصم ويقول لك : سأضع لك كذا وافعل من أجلك كذا وكذا . يجب عليك هنا أن تقول له : لا .